الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

419

المنقذ من التقليد

من الحروف ولم تكن أصواتا متميّزة كأصوات كثير من الطيور ، وقد يسمع من صرير الباب ما يشبه بعض الحروف ويقرب منها . وفي الجملة الحاكي غير معتمد في الحكاية ، فيجوز أن يخبر أن ذلك كان كلاما خالصا ، ولا يكون كذلك ويمكن أن يتعمّل ذلك الإنسان له ويصل إلى ذلك بالتجربة والاستعمال . ويحكى عن الحلّاج ما هو أغرب وأعجب من جميع ذلك . وقد وقف العلماء على وجوه الحيل فيها وذكروها في كتبهم . وقد طعن ابن زكريّا في المعجزات من وجه آخر ، فقال : « وقد يوجد في طبائع الأشياء أعاجيب ، وذكر حجر المغناطيس المعروف وجذبه الحديد وباغض الخلّ ، وهو حجر إذا القي في إناء خلّ ، فانّه يتنكّب منه ولا ينزل إلى الخلّ ، والزّمرّد ، فانّه يسيل عين الأفعى ، والسمكة الرّعادة يرتعدّ صائدها ما دامت في شبكته وكان آخذا بخيط الشبكة . فلا يمنع أيضا فيما يظهر على المدّعين للنبوة أن يقال إنّه ليس منهم ، بل ببعض الطبائع ، إلّا أن يدّعي مدّع أنّه أحاط علما بجميع طبائع جواهر العالم ، وبطلان ذلك ظاهر بيّن » . وذكر أبو إسحاق بن عيّاش : « أن ابن زكريّا أخذ هذا عن ابن الروندي ، فانّه ذكر في كتاب له سمّاه الزمرد رادّا على من يحتجّ بصحّة النبوّة بالمعجزات ، فقال : « ومن أين لكم أنّ الخلق يعجزون منه ؟ هل شاهدتم الخلق طرّا ؟ أو أحطتم علما بمنتهى قواهم وحيلهم ؟ فإن قلتم : نعم ، كذبتم ، لأنّكم لم تجوبوا الشرق والغرب ولا امتحنتم الناس جميعا » . ثمّ ذكر أفعال الأحجار ، كحجر المغناطيس وغيره . قال الشيخ أبو إسحاق : « فأجابه الشيخ أبو عليّ في نقضه عليه : أن يجوز أن يكون في الطبائع ما يجذب به النجوم وما يسير به الخيال في الهواء ، ويحيى به الموتى بعد ما صاروا رميما من حيث أن على علّته هذه لا يمكنه الفصل والمميّز